نوفل سلامة يكتب/ الآباء المؤسسون لمعهد الصحافة: جئنا لنتحدث عن الذاكرة.. لا لنكتب التاريخ ..

كتب: نوفل سلامة

مواصلة في المهمة التاريخية والعلمية التي تجندت لها مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات في حفظ الذاكرة الوطنية من النسيان والتأريخ لأحداث تونس المعاصرة بصورة تقربها إلى حقيقتها وكتابة التاريخ في راهنيته وبحضور الفاعلين فيه وخاصة تجميع شهادات الرموز المؤثرة في تاريخ البلاد والاستماع إلى تجربتهم ومسيرتهم ووجهة نظرهم فيما حصل…

خصصت المؤسسة ندوة علمية لموضوع الإعلام وفتحت المجال للنقاش والحديث حول معهد الصحافة وعلوم الإخبار  إحدى المؤسسات التونسية العريقة التي واكبت بناء الدولة الوطنية وكان لها التأثير الواضح في مسيرة الاستقلال وعملية التحديث التي خضعت لها الدولة والمجتمع في ندوة يوم السبت 11 جوان الجاري التي أثثها ثلة من الآباء المؤسسين للمعهد من الجيل الأول الذي يعود له الفضل في تحمل مصاعب البدايات الاولى لعملية التأسيس…

مجموعة من الأساتذة

كان من بينهم مديرة المعهد الحالية الأستاذة حميدة البور والأستاذ مهدي الجندوبي و الأستاذ يوسف بن رمضان المختص في علم الاجتماع والأستاذ عبد الكريم الحيزاوي أستاذ بالجامعة التونسية والأستاذ رضا النجار الأستاذ الجامعي والمدير العام السابق للإذاعة والتلفزة التونسية والأستاذ محمد بن صالح الرئيس الأسبق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء وغيرهم من أبناء المعهد وأساتذته، نزلوا ضيوفا على روّاد المؤسسة في لقاء أرادوه حديثا من أجل استحضار الذكريات القديمة واستدعاء البدايات الأولى التي رافقت نشأة المعهد واستدعاء الذاكرة في الانطلاقة الأولى في التكوين والتدريس والعمل الإداري وإعداد المضامين الدراسية….
وكل العملية البيداغوجية والرهانات التي كانت مطروحة والتحديات التي رافقت النشأة الأولى في البناء والتأسيس وهو حديث فيه الكثير من الحنين إلى التاريخ وعودة إلى ماضي الظروف والواقع و الملابسات التي رافقت الانطلاقة الأولى وحنين آخر إلى ذلك الجيل الذي انطلق به ومعه عمل المعهد والذي ناله الشرف اليوم في أن ينعت بالآباء المؤسسين وأن يسمى بالجيل المؤسس لمعهد الصحافة وعلوم الإخبار.

اختصاصات مختلفة

في هذا اللقاء عاد كل من تدخل من الآباء المؤسسين الحاضرين إلى الأيام الأولى لـتأسيس معهد الصحافة وإلى البدايات المؤسسة التي انطلقت مع فجر الاستقلال وتحديدا يوم 6 نوفمبر سنة 1956 بمجموعة أولى احتضنها معهد باش حانبه بالعاصمة قدموا من اختصاصات وكليات مختلفة لتكوينهم في المجال الإعلامي في شكل دورات تدريبية، وكان الهاجس حينها هو تكوين نخبة إعلامية تحتاجها الدولة في مجال الإعلام وذلك قبل أن ينتقل التكوين والتدريس إلى جامعة منوبة ويصبح المعهد تابعا لكلية الآداب…
في هذه الفترة حافظ المعهد على التكوين المزدوج الذي يراوح بين التكوين الأصلي وهو أن يكون الطالب قادما من إحدى الاختصاصات الأخرى ليلتحق بالمعهد ويتلقى تكوينا إعلاميا يسمح له بممارسة مهنة الإعلام وحسب الشهادات التي قدمت فإن هذا الخيار كان صائبا ساعد على تخريج عدد كبير من الإعلاميين اللامعين المتفوقين يتقنون اللغة ويتوفرون على ثقافة واسعة ومتينة في مجالات متنوعة من حقوق وسياسة وتاريخ واقتصاد وعلم إجتماع بما جعل المتخرج من المعهد في تلك الفترة ينعت ” بالإعلامي المثقف ” بعد أن تسلح بزاد بيداغوجي وفني في مجال الإعلام وهي خصلة نفتقدها اليوم حيث أن المعهد كثيرا ما يخرج اليوم إعلاميين لهم مهارات فنية ويحذقون تقنيات العمل الصحفي من دون أن يتوفر لديهم الزاد المعرفي والثقافي.

قدموا الإضافة للدولة

بعد هذه المرحلة التي عرف فيها المعهد تخرج جيل من الاعلاميين استعانت بهم الدولة في المؤسسات الاعلامية الحكومية وفي بعض الوزارات وحتى في المناصب الحساسة في الدولة، وهي فترة وصفت بالذهبية لقيمة الأفراد الذين انتسبوا إلى قطاع الإعلام والذين أثروا بقوة في حقب زمنية متفاوتة بفضل تكوينهم المزدوج الذي مكنهم من تقديم الإضافة للدولة وهي بصدد بناء نفسها وإفادة الشعب والارتقاء بوعيه الذي راهنت عليه القيادة السياسية الجديدة في عملية التحديث والتطور الاجتماعي…
ثمّ عرف المعهد مرحلة أخرى وصفت بالكارثة التي حلت بقطاع الصحافة والإعلام بعد فتح باب التوجيه الجامعي لطلبة الباكالوريا للالتحاق بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار لينقلب الوضع رأسا على عقب ومنذ هذا التحول دخل المعهد في تخريج إعلاميين تقنيين وأفراد لهم مهارات في تقنيات الصحافة من دون أن يتوفر لديهم الزاد المعرفي والثقافي الذي كان متوفرا عند الجيل الأول الذي تميز بتكوين مزدوج، ومن هنا بدأ يطرح السؤال حول الصحفي الجيد والإعلامي الذي نحتاجه؟
ومع التحاق 800 طالب في السنة الأولى بالمعهد طرح سؤال آخر يقول: هل يكتفي المعهد بتدريس تقنيات المهنة و الاقتصار على تعليم البيداغوجيا التي قام عليها التدريس الأول أم يمكن للمعهد أن يدرس الثقافة المختلفة التي يفتقدها طالب الباكالوريا الذي التحق بالمعهد وتوفرت عند الجيل الأول بفضل تكوينهم الأول كونهم منتمين إلى جامعات أخرى وقادمين من حقول معرفية مختلفة بعد أن قضوا أربع سنوات في الجامعات التونسية المختلفة؟ وأمام هذا الإشكال المقلق كانت الاجابة الواضحة وهي أن معهد الصحافة لا يدرس الثقافة وإنما هي ملكات وفنون تكتسب ويفترض أن تتوفر عند الصحفي والإعلامي قبل الالتحاق بالمعهد لكن الخيار الذي سارت فيه البلاد قد أنتج في الغالب إعلاميين تقنيين وفنيين مهرة في المادة الإعلامية لا غير وأصبح الأستاذ المدرس والمؤطر البيداغوجي يدرس المادة الاعلامية بعد أن كان في السابق يتحدث في قاعة الدرس حول الإعلام وتحول من منشط إلى ملقن وهنا تكمن المفارقة ويكمن الخلل.

تم التطرق إلى كل المراحل التي مر بها المعهد والمحطات المختلفة التي عرفها خلال التدريس والتكوين وكل التقلبات التي رافقته وكذلك التنوع في الشهائد العلمية التي تمنح والتنوع في منهجية التدريس و البيداغوجيا المختلفة المتبعة التي حتمتها كل مرحلة وخاصة ما تعلق بإدخال مواد جديدة اقتضتها التطورات الحاصلة في مجال الميديا وكل الإصلاحات التي عرفها التدريس لعل أهمها إحداث دبلوم ماجستير في الصحافة السمعية البصرية وصحافة الاستقصاء والاتصال السياسي…
تم الحديث عن ضرورة العودة الى فكرة الأستاذ محمد الشرفي والتي ترى أنه في عملية الاصلاح والنظر إلى المستقبل وتدارك الأخطاء التي ارتكبت من المفيد أن لا يكون الالتحاق بمعهد الصحافة إلا بعد أن يقضي الطالب فترة ثلاث سنوات على الأقل في جامعة أخرى مع التأكيد على إتقان الكتابة باللغتين العربية والفرنسية وقد كانت الغاية من هذا الخيار ضمان أن لا يلتحق بهذا الميدان إلا النخبة المتميزة.
وفي علاقة المعهد بمحيطه الاجتماعي والسياسي كان الحديث حول علاقة المتخرجين من المعهد بالسلطة السياسية ومدى وجود وصايا أو رقابة من قبل السلطة السياسية على المعهد وبرامجه وعلى المسار المهني للمتخرج والسياسات الحكومية المقررة في مجال الإعلام من أجل توظيف الإعلام في التوجهات والخيارات السياسية الرسمية…

محاولات الاحتواء

 وهنا تم التذكير بالمحاولات التي قامت بها السلطة السياسية في بداية الاستقلال لاحتواء المعهد وتوظيفه لصالحها وخاصة محاولة إلحاق معهد الصحافة بوزارة الإعلام والدور الذي قام به المرحوم منصف الشنوفي في الدفاع عن استقلاليته وإبقائه محايدا تجاه الحكم والسلطة و من أجل الحفاظ على مكسب الحرية الذي يقوم عليه عمل المعهد.
ولكن إذا كان المعهد قد خاض معارك ضد كل محاولات الهيمنة والاحتواء والإلحاق بالسلطة السياسية فإنه تجاه القضايا المجتمعية لم يكن محايدا ولا مستقيلا و انخرط مبكرا في مشاغل الشعب من خلال جعل الإعلام والاتصال في خدمة قضايا الناس وتوظيف مهمة الإعلام في مجالات مختلفة من تربية وصحة وغذاء وبيئة وغير ذلك من الشواغل اليومية للشعب وفي هذا المستوى تم الحديث عن الانضباط الكبير الذي التزم به المعهد في مجال التكوين والرسكلة حيث تم التأكيد على الإلتزام بالتكوين الصارم من دون التساهل بخصوص المواد العلمية التي يراها ضرورية والتي لا بد منها في تكوين الصحفي والإعلامي.
من القضايا المهمة التي أثيرت في هذه الندوة مسألة نوعية العلاقة التي حاول المعهد إيجادها بين الإعلامي ومحيطه السياسي وبمعنى أدق هل كان المعهد عبارة على مخبر لتكوين الكوادر السياسية التي يحتاجها النظام السياسي وتحتاجها الدولة؟ وهذا السؤال يحيل على سؤال آخر وهو هل أن مهمة المعهد كانت توفير إعلاميين موالين للسلطة الحاكمة؟
وهل صحيح ما يروج من أن المعهد كان في فترات معينة من تاريخه لا يستدعي إلى فضائه لإلقاء درس او مواظبة نشاط من أنشطته إلا الشخصيات التي  تكون موالية للنظام القائم؟…

رداءة وبذاءة

من القضايا الحرجة الأخرى ما لامس المسؤولية التي يتحملها المعهد فيما آل إليه واقع صاحبة الجلالة وحالة الرداءة التي باتت عليها السلطة الرابعة التي تعيش اليوم وضع الرداءة والبذاءة والتراجع الكبير في الأداء؟ وآي مسؤولية للآباء المؤسسين فيما حصل من منعرجات ومنعطفات أثرت سلبا اليوم على واقع الإعلام بسبب سياسات وخيارات يقول عنها العارفون بالقطاع أنها كانت خاطئة ما يستدعي طرح السؤال هل كان المعهد خلال فترات طويلة من تاريخه مقلقا للسلطة ويمثل ازعاجا للنظام الحاكم أم كان المعهد منسجما مع خيارات الدولة؟
تم الحديث على ضرورة إدخال الكثير من التغيير على عمل المعهد وضرورة القيام بالإصلاحات الضرورية لتقييم أدائه وضرورة مراجعة البرامج التعليمية والمضامين التي تدرس مواكبة للتطورات الحاصلة في مجال الميديا وكل الثقافة الجديدة التي رافقت التطور الحاصل في مجال تكنولوجيا الاتصال بعد أن أصبحت مهنة الصحفي لا تقتصر على الصرامة المهنية والتكوين الأكاديمي الصرف وبعد أن دخلت مفاهيم جديدة مجال الاعلام وتوسع مجال الاتصال الإعلامي وتغيرت الغايات والأهداف الأولى التي قام عليها التأسيس الأول للمعهد.

فوضى المشهد الإعلامي

انتهت هذه الندوة العلمية بطرح أسئلة كثيرة لم تجد لها إجابات مقنعة ولا واضحة في علاقة بدور المعهد اليوم و فيما يحصل في المشهد السمعي والبصري من فوضى ورداءة بعد أن تم تجاوز الإعلام الحكومي أو العمومي نحو الإعلام الخاص الذي يتحكم فيه منطق التاجر ومنطق السوق التجارية ومنطق الإشهار، ويتحكم فيه أصحاب المال والأعمال ومصالحهم الخاصة ليجد الإعلامي نفسه في ظل هذا الواقع المتغير والمتحرك باستمرار أمام معضلة التناقض بين التكوين الاكاديمي والواقع الميداني المتحكم فيه المال والمصلحة الاقتصادية لصاحب المؤسسة الاعلامية…

 وفي هذا المستوى يثار السؤال حول المعايير العلمية التي تدرس في المعهد من نزاهة وموضوعية وحياد ومن حرفية ومهنية في نقل الخبر والبحث عنه من مصدره الصحيح والدور الذي يلعبه الصحفي في نقل المعلومة ونشر الخبر بكل مهنية ودون تزييف أو مغالطة.
انتهت هذه الندوة بطرح أسئلة كثيرة على الآباء المؤسسين للنظر إلى المستقبل ومساءلة الحاضر والدور الذي يلعبه المعهد في راهنيته وهي كلها أسئلة لم تجد لها أجوبة لأن الآباء المؤسسون قد أرادوا هذه الندوة للحديث عن الذكريات الأولى وعن هواجس التأسيس الأول ورهانات الماضي…
انتهت هذه الندوة التي أرادها من كان وراءها حديثا عن التجربة الشخصية للمؤسسين من جيل البدايات لنشأة معهد الصحافة وعلوم الإخبار حاولوا فيها كما قالوا تجنب كتابة فصل من تاريخ المعهد غير أن الكتابة التاريخية كانت تفرض نفسها بقوة وتلقي بثقلها لتكون هذه الشهادات التي استمعنا إليها كتابة تاريخية تقدم وجهة نظر الآباء المؤسسين من الجيل الأول لمرحلة التأسيس، وهي نظرة تفتح الطريق أمام ندوات فكرية أخرى تقدم فيها وجهات نظر مختلفة وشهادات أخرى حول النشأة الاولى وبدايات التأسيس تقدمها شخصيات أخرى عاصرت وعاشت البناء الأول.        

المصدر : الصريح

Load More Related Articles
Load More By Assarih

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.