رأي / استراتيجية فسح المجال مجددا

لقد قلنا في حينه ان بيان الهيئة الادارية للاتحاد العام التونسي للشغل المؤرخ في 23ماي  2022 كان في نفس الوقت خطأ استراتيجيا و خطأ تكتيكيا .

لقد قرأناه باعتباره اعلانا عن الانسحاب من الدائرة السياسية ،بمعنى فسح المجال “للانقلاب” فيها ،للتفرغ للمعركة الاجتماعية ،ربما طمعا في بعض التفهم .

ولكن الانقلابات لا تقاوم في التفاصيل و الجزئيات و انما في الكليات.

لذلك خسرت المنظمة مساهمتها في المعركة الكلية ،ولم تجد  شيئا من التفهم ،بل يتم حاليا استدراجها الى دائرة الاستنزاف لوضعها في مواجهة الجمهور المرهق الذي يَصب جام غضبه على كامل المنظومة التي ترسخ في ذهنه  انها اذاقته الأهوال،و الاتحاد في الانطباع السائد جزء منها .و ها ان ماكينة الدعاية الانقلابية بصدد المرور الى السرعة القصوى  لمزيد ترسيخ هذه الصورة .

سياسة التجاهل التي انتهجها الانقلاب تجاه الإضراب العام و تجاه الاتحاد  وقدرته مؤقتا على الامتصاص عكس كل الحكومات السابقة  هي التي جعلت جهاد ازعور مدير ادارة الشرق الأوسط واسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي يصرح تصريحا مطمئنا بشان امكانية إبرام اتفاق قريب مع تونس  .

بالطبع لا احد يتصور ان المفاوضات ستكون سهلة او ان الحل سيكون قريبا ،و انما هي هدية ما قبل الاستفتاء ،انها هدية فسح “مجال اخرى “لتسهيل مناخات الاستفتاء .

وفِي الحقيقة  فهي ليست بهدية ،و انما هي بالأحرى تسبقة قبل الاستفتاء تستعاد بعده من خلال فرض  الخضوع التام للإملاءات ، فالبنوك هي البنوك حتى ان تسمت لغاية التسويق والتلطيف “بنكا دوليا “.

ولكن المؤسسة الموقرة ،التي لا يمكن ان نسمح لها بان تتدخل في شؤوننا هي و كل انواع أمك صنافة ،لا تكتفي ببشرى بالسيد ازعور المتعلقة بالمناخات ،بل هاهي تتقدم خطوة اخرى و تشاركنا (تعوضنا ) صياغة الدستور  ،اذ يصرح اليوم السيد فريد بلحاج نائب مدير البنك الدولي ان “مركزة السلطة اليوم في تونس فرصة لتنفيذ الاصلاحات ،وهذا امر مستعجل “.

قلنا منذ ايام ان بعض ما يقوم به سعيد مطلب خارجي، ولا نزال عند ذلك الراي .

-فبقطع النظر عن التفاصيل فان دستور سعيد (ولا علاقة له في تقديري لا بالصادق بلعيد ولا بأمين محفوظ )سيتجه الى نظام رئاسي ،وأسهل للقوى الخارجية صناعة شخص والمراهنة عليه والتعامل معه من التاثير في خارطة برلمانية ممتدة في جغرافيا البلاد  كما كان الشان في النظام السياسي منذ الثورة .

-وهذا الخيار الرئاسي  من شانه ايضا ان يحد من التأثير السياسي للتيار المحافظ حتى ان تواصل  حضوره في المؤسسات البرلمانية و المحلية المنزوعة الصلاحيات ،دون حاجة الى خيارات امنية وقضائية مكلفة وذات مردودية عكسية .

-كما ان سياسة تحجيم دور الأجسام الوسيطة سيطال اتحاد الشغل لمحاولة ارجاعه الى المربع النقابي ،وهذا ايضا قد يكون شيئا مرغوبا من رعاة الديموقراطية في العالم .

في اثناء ذلك يواصل أصدقاؤنا وشركاؤنا في العالم لعبة النفاق التي يتقنونها ،ويتفرجون على عبث شخص يدركون تماما طبيعته ويتندرون بها ،عبثه بكل القيم و إهانته لكل الرمزيات .

وفِي الاخير لا احد يلومهم ،فهم معنيون فقط برعاية مصالحهم،رغم ان التاريخ اظهر ان الحسابات الصغيرة غير قادرة على ضمان المصالح البعيدة ..

موقفهم هذا اضافة الى ترجيح سكوت الشارع الاجتماعي في اشهر الصيف يعني “هبة زمنية “بخمسة اشهر يمرر أثناءها الدستور الذي كتب خلسة  و الذي سيفرض  عمليا ونفسيا واقعا جديدا .

ولكن مع بداية الخريف ستتضح الصورة اكثر من خلال عدد من المؤشرات :

-هل تم الاتفاق حقيقة مع المؤسسات الدولية ؟وما هو مضمونها ؟و ما هي تكلفتها الانسانية و الاجتماعية ؟

-هل يستمر  الشارع الاجتماعي مربع التحمل عبر انتهاج استراتيجية التاقلم و حلول البريكولاج او وصل الى المنطقة الحرجة التي تجعله يصرخ كفاية و الى ملامسة مربع التمرد الذي يعني بالتحديد :ليس بعد الان ؟

-ما هي قواعد ادارة انتخابات ديسمبر وتفاعل الطيف السياسي و المدني معها ؟

-هذا ان لم يفاجئ سعيد الجميع بالدعوة الى انتخابات رئاسية سابقة لأوانها .

كل هذا بمعزل عما يحدث حولنا غربا وجنوبا مما من شانه ان يؤثر في احوالنا في هذه الوجهة او تلك .

 بقلم :عبدالحميد الجلاصي 

 

المصدر : الصباح نيوز

Load More Related Articles
Load More By Assabah News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.